أبي الفرج الأصفهاني
23
الأغاني
أقحمت [ 1 ] السنة نابغة بني جعدة ، فدخل على ابن الزبير المسجد الحرام ، فأنشده : حكيت لنا الصّدّيق لمّا وليتنا وعثمان والفاروق فارتاح معدم أتاك أبو ليلى يجوب به الدّجى دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم [ 2 ] لتجبر منه جانبا زعزعت [ 3 ] به صروف الليالي والزمان المصمّم / فقال له ابن الزبير : هوّن عليك أبا ليلى ، فإنّ الشعر أهون وسائلك عندنا ، أمّا صفوة ما لنا فلآل الزبير ، وأما عفوته [ 4 ] فإنّ بني [ 5 ] أسد بن عبد العزّى تشغلها عنك وتيما معها ، ولكن لك في مال اللَّه حقّان : حقّ برؤيتك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وحقّ بشركتك أهل الإسلام في فيئهم ؛ ثم أخذ بيده فدخل به دار النّعم ، فأعطاه قلائص [ 6 ] سبعا وجملا رجيلا [ 7 ] ؛ وأوقر له الإبل برّا وتمرا وثيابا ، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحبّ صرفا ؛ فقال ابن الزبير : ويح أبي ليلي ! لقد بلغ به الجهد ؛ فقال النابغة : أشهد أني سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « ما وليت قريش فعدلت واسترحمت فرحمت وحدّثت فصدقت ووعدت خيرا فأنجزت فأنا والنبيّون فرّاط [ 8 ] القاصفين » وقال الحرميّ : « فرّاط لها ضمن » . قال الزّبيريّ : كتب يحيى بن معين هذا الحديث عن أخي . ضربه أبو موسى الأشعري أسواطا فهجاه : أخبرني أبو الحسن الأسديّ أحمد بن محمد بن عبد اللَّه / بن صالح وهاشم بن محمد الخزاعيّ أبو دلف قالا حدّثنا الرّياشيّ قال قال أبو سليمان عن الهيثم بن عديّ [ قال ] [ 9 ] : رعت بنو عامر بالبصرة في الزرع ، فبعث أبو موسى الأشعريّ في طلبهم ، فتصارخوا : يا آل عامر ، يا آل عامر ! فخرج النابغة الجعديّ ومعه عصبة له ؛ فأتي به إلى أبي موسى الأشعريّ ، فقال له : ما أخرجك ؟ قال : سمعت داعية قومي ؛ قال : فضربه أسواطا ؛ فقال النابغة : رأيت البكر بكر بني ثمود وأنت أراك بكر الأشعرينا
--> [ 1 ] أقحمته : ألقته ورمت به . والسنة : الجدب ، أي أخرجه الجدب من البادية وأدخله الريف حيث الخضرة والماء . [ 2 ] العثمثم : الجمل الشديد الطويل . [ 3 ] في ط ، ء : « ذعذعت » بالذال المعجمة وهي بمعنى « زعزعت » . [ 4 ] عبارة ابن الأثير في « النهاية » ( مادة عفا ) ونقلها عنه صاحب « اللسان » : « . . . أنه قال للنابغة : أما صفو أموالنا فلآل الزبير ، وأما عفوه فإن تيما وأسدا تشغله عنك . قال الحربيّ : العفو : أحل المال وأطيبه . وقال الجوهريّ : عفو المال ما يفضل عن النفقة . وكلاهما جائز في اللغة والثاني أشبه بهذا الحديث » ، وهذا التوجيه الأخير لابن الأثير . وأما عفوة المال والطعام والشراب ( بالفتح ) وعفوته ( بالكسر عن كراع ) : فهي خياره وما صفا منه وكثر . وظاهر أنها لا تلائم سياق الحديث ، لذلك نرى أن رواية النهاية في هذا الأثر أصح مما ورد في الأصول هنا . [ 5 ] بنو أسد : قبيلة منها الزبير بن العوّام والد عبد اللَّه هذا . وتيم : قبيلة منها أبو بكر الصدّيق رضوان اللَّه عليه وهو جدّ ابن الزبير لأمه . [ 6 ] القلائص : جمع قلوص وهي الشابة من الإبل بمنزلة الجارية من النساء . [ 7 ] في ح : « رحيلا » بالحاء المهملة ، والرجيل والرحيل من الإبل : القوي على السير . [ 8 ] كذا في « النهاية » في « غريب الحديث » و « الدر النثير » للسيوطي ( مادتي فرط وقصف ) ، وفيه رواية أخرى أشار إليها السيوطي في « الدر النثير » ( مادة قصف ) وهي « فراط القاصفين » ، وبهذه الرواية ورد الحديث في م « واللسان » ( مادتي فرط وقصف ) . وقد وردت كلمة « القاصفين » في أكثر الأصول ها هنا مضطربة ، ففي ط ، ء : « فرّاط لها ضفن وقال الحرميّ . . . إلخ » . وفي باقي الأصول : « فراط لها ضمين وقال الحرميّ . . . إلخ » . الفرّاط : المتقدمون إلى الشفاعة أو إلى الحوض . والقاصفون : المزدحمون . وضمن : كافلون . [ 9 ] هذه الكلمة ساقطة في ب ، س .